السيد الطباطبائي

138

تفسير الميزان

قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " البلاء هو الامتحان والاختبار ، ولام القسم والنون المشددة للتأكيد ، وقوله : بشئ من الصيد يفيد التحقير ليكون تلقينه للمخاطبين عونا لهم على انتهائهم إلى ما سيواجههم من النهى في الآية الآتية ، وقوله : " تناله أيديكم ورماحكم " تعميم للصيد من حيث سهولة الاصطياد كما في فراخ الطير وصغار الوحش والبيض تنالها الأيدي فتصطاد بسهولة ، ومن حيث صعوبة الاصطياد ككبار الوحش لا تصطاد عادة إلا بالسلاح . وظاهر الآية أنها مسوقة كالتوطئة لما ينزل من الحكم المشدد في الآية التالية ، ولذلك عقب الكلام بقوله : " ليعلم الله من يخافه بالغيب " فإن فيه إشعارا بأن هناك حكما من قبيل المنع والتحريم ثم عقبه بقوله : " فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " . قوله تعالى : " ليعلم الله من يخافه بالغيب لا يبعد أن يكون قوله : ليبلونكم الله ليعلم كذا كناية عن أنه سيقدر كذا ليتميز منكم من يخاف الله بالغيب عمن لا يخافه لان الله سبحانه لا يجوز عليه الجهل حتى يرفعه بالعلم ، وقد تقدم البحث المستوفى عن معنى الامتحان في تفسير قوله تعالى : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ، الآية " ( آل عمران : 142 ) في الجزء الرابع من هذا الكتاب ، وتقدم أيضا معنى آخر لهذا العلم . وأما قوله : " من يخافه بالغيب " فالظرف متعلق بالخوف ، ومعنى الخوف بالغيب أن يخاف الانسان ربه ويحترز ما ينذره به من عذاب الآخرة وأليم عقابه ، وكل ذلك في غيب من الانسان لا يشاهد شيئا منه بظاهر مشاعره ، قال تعالى : " إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب " ( يس : 11 ) ، وقال : " وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ، هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب " ( ق : 33 ) ، وقال : " الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون " ( الأنبياء : 49 ) . وقوله : " فمن اعتدى بعد ذلك " أي تجاوز الحد الذي يحده الله بعد البلاء المذكور فله عذاب أليم . قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " ( الخ ) ، الحرم بضمتين جمع الحرام صفة مشبهة ، قال في المجمع : ورجل حرام ومحرم بمعنى ، وحلال